أبو ريحان البيروني

98

القانون المسعودي

بالتراجع على ما تقدم من الحال حتى توافي أفق المغرب فتغيب أجرامها فيه جزءا بعد جزء إلى أن تستخفي عن وجه الأرض ثم تعود بالغد إلى مشارقها الأمسيّة فمن لم يقتصر في مثل هذه المعالم الشريفة على ملاعب الصبيان السخيفة ويستنكف عن العناد والمكابرة ينفي عن هذه الحركات الاستقامة بحسب النظر في الحال المقتنص من الحسّ لأمرين : أحدهما : إن العود فيها إلى المبدأ ممتنع أصلا فيما استقام منها إلّا بالرجوع فقط وواجب بالضرورة فيما استدار . والثاني : إن الاستقامة توجب اختلاف الاعظام لاختلاف الأبعاد بين البصر والمبصر حتى يكون على أعظم ما يكون مقاديرها في المنظر في أقرب المواضع منها إلينا ويحصل لها قبله التزايد من أصغر مقاديرها في المنظر والتناقص بعده إلى ذلك المقدار ويكون التفاني وراءهما في الشرق والغرب ، ولأن الأشخاص العلوية مختلفة المقادير فواجب فيها أن تختلف مواضع تفانيها التي هي باستقامة الحركة مواضع الطلوع والغروب وذلك خلاف الوجود من طلوع أجرام جميعها من وراء ساتر واحد غير مرتفع ومدارها على حال واحد وفي ذلك كفاية في نفي الاستقامة عن هذه الحركة ، وكون الساتر غير مرتفع عن وجه الأرض كاف أيضا وهم من عسى رأى الطلوع والغروب من جبل كالمناببة ، وبراهمة الهند لأنه غير مدرك بالحس وإذا غاب عنه كان موجبه وأثره أولى بالغيبة عنه . وهذا هو الدليل الذي اعتمده بطليموس في استدارة الحركة السمائية وإذ ليس للأبدية الظهور من الكواكب طلوع وغروب فإنه استدار بدوائرها الموازية المرتسمة بهذه الحركة على استدارتها أيضا وإن النقطة التي تتوسطها هي قطب السماء ولسنا نتعرّض لذكر الآراء الركيكة التي ذكرها في اتّقاد الكواكب عند مسامتتها بعض مواضع الأرض وانطفائها عند بعضها فإن أمثالها أكثر مما عرف من أهل زمانه ولم لا يكثر وليس ينحصر في سلك واحد غير الحق . وأما ما انحرف عنه فمتشعّب إلى ما لا نهاية ، ثم استدلّ بطليموس على كريّة شكل السماء بقياسات طبيعيّة ومن الطرق الأولى مأخوذة ولكل صناعة منهج وقانون لا يستحكم عليه ما هو خارج عنها ، ولذلك كان ما أورده مما هو خارج عن هذه الصناعة إقناعيّا غير ضروري وما وجدنا إلى الصناعة سلّما ثابتا على مناهجه لم يتحرف عنه إلى ما هو خارج من طرقه ومدارجه فمما ذكر وجود السلاسة في حركة الكرة أكثر وهي لعمري كذلك في كل متحرك على محوره والكرة مع سائر الأشكال المجسمة في ذلك شرع واحد لأن هذه الحالة تلزم من جهة المحور دون الشكل ، ومنها فضل الكرة على سائر الأشكال المضلعة في